• voiceofarabic.net@gmail.com

تقرير عن أعمال الندوة الدولية "المنحى الوظيفي في اللسانيات العربية وآفاقه": تغطية إدريس عمراني

التبويبات الأساسية

محتوى المقال: 

من أين يمتح الاتجاه الوظيفي أسئلته، وبم تغتني موضوعاته وكيف يستشرف آفاقه؟ ما هو حضور هذا المنحى الوظيفي في الفكر اللغوي العربي القديم؟ ما هي حدود التقاطع بين الطرح الوظيفي المعاصر وطرح ابن جني فيما يخص البعد التواصلي عامة وإدماج مكونات اللغة في قصودها الدلالية والتداولية خاصة؟ كيف تتحقق وظيفية النحو العربي؟ هل هناك خصوصيات لكل من المتكلم والمتلقي في الخطاب عند القدماء في ضوء اللسانيات الحديثة؟ ما هي أوجه التعالق القائمة بين نموذج مستعملي اللغة الطبيعية ونحو الخطاب الوظيفي؟

في مدار هذه الأسئلة ونظيراتها، نظم مختبر البحث اللساني والبيداغوجي برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس يومي الجمعة والسبت 23 و 24 نونبر 2007 ندوة دولية بعنوان"المنحى الوظيفي في اللسانيات العربية وآفاقه" وقام بتنسيق أعمالها الدكتور عز الدين البوشيخي. وقد اتسمت جل العروض والمداخلات المقدمة بالتنوع والإكتناز من حيث الطرح والصياغة. وعلى الرغم من كثرة هذه العروض (عربية وفرنسية)، وتداخل محاورها، إلا أنها لم تخل من لحظات الاستمتاع المعرفي الذي طبع بعضها من خلال تدخلات بعض الباحثين التي أبانت عن قدرات تعبيرية وكفاءات إبداعية  تؤكد بالملموس على وجود جيل جديد يتأهب لخوض مجازفة الإبداع بمنتهى الرسوخ والطمأنينة، علاوة على حضور أسماء وازنة من مثل البروفسور لاشلن ماكنيزي والدكتور أحمد المتوكل وغيرهما...مما أضفى على أجواء هذه الندوة مسحة علمية متميزة في سياق إشكالي يدعو إلى طرح مجمل الأسئلة الوظيفية المفضية إلى عتبات التأمل اللساني المنتج والفعال.

وفي هذا الإطار، تم افتتاح أشغال هذه الندوة بكلمة لرئيس جامعة مولاي إسماعيل ألقاها عنه نيابة الدكتور عبد المجيد حجي أبرز فيها أهمية هذا الملتقى العلمي في ثلاث نقاط محورية: أولها تتجلى في اعتبار اللسانيات حقلا من الحقول المهمة، وثانيها تتمثل في أن مسألة الهوية لها علاقة وطيدة  باللغة، وثالثها صاغه في تمن يود من خلاله خروج اللسانيين المغاربة إلى العراء للحديث عن المسألة اللغوية، ودراسة تداخل الألسن حتى لا يترك المجال للأشباح. وفي هذا السياق شكلت هذه الندوة محطة بارزة لترسيخ هذه الأفكار والتوجهات.

من جهته ذكر نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية عز الدين السلاوي بسببين رئيسيين من أسباب تميز هذا الملتقى لخصهما فيما يلي:

1-العمل الدؤوب لشعبة اللغة العربية وآدابها على تنظيم لقاءات علمية بشكل متواتر.

2- حضور وجوه بارزة من المختصين والمهتمين لتدارس المنحى الوظيفي وتعميق البحث فيه واعتباره قيمة مضافة للمؤسسة بوجه خاص. وأبان في معرض تدخله أن الإرادة الراسخة لهذا الملتقى جسدتها أبعاد ثلاثة تمثلت في إرساء القواعد ومواكبة التطورات وإحداث التغيير.

وبنفس صادق وتلقائية مؤثرة، جاءت كلمة الدكتورعز الدين البوشيخي باسم اللجنة المنظمة لتزكي كل الطروحات السابقة، وتؤكد أن استضافة هذه الندوة العلمية كان لاعتبارات عديدة أبرزها:

- أن الموضوع الذي اختارته للتداول والنقاش" المنحى الوظيفي في اللسانيات العربية وأفاقه" موضوع مترسخ في فكرنا اللغوي العربي القديم والحديث.

- أن اللسانيات الوظيفية كما أنتجت في الغرب أحدث عليها اللسانيون المغاربة تعديلات مهمة، مست إطارها النظري وقواعدها ومبادئها.

- أن التطور في هذا الموضوع ما زال متابعا ومستمرا باستضافة رائد من رواد هذه اللسانيات الوظيفية لاشلن ماكيزي الذي يطور نظرية "نحو الخطاب الوظيفي" في كتاب ينوي إصداره سنة 2008، وهذا في حد ذاته مكسب جديد نفتخر به ونعتز.

- الاعتياد على تنظيم لقاءات ذات طابع عام بمناهجها وإسقاطاتها، والأن نلج تجربة جديدة في نظرية من النظريات اللسانية بعقد مائدة مستديرة تتناول تفاصيل هذه النظرية.

ووفق هذا التأسيس النظري يمكن أن نؤطر كل مداخلات المشاركين في محورين عريضين:

أولا: رؤى وظيفية في الفكر اللغوي العربي القديم:

" الفكر اللغوي العربي فكر وظيفي بامتياز" بهذا الاستخلاص النظري المثير انعقدت صبيحة يوم الجمعة الجلسة الأولى برئاسة الدكتورة نعيمة الزهري التي ذكرت بعدد من القضايا تستدعي جانبا من التأمل والتفكير كان أهمها:

-النظر إلى الفكر اللغوي العربي القديم باعتباره كلا غير قابل للتجزيء (أصول، تفسير بلاغة، نحو).

- عدم التعامل مع هذا الفكر على أساس ثنائية، قديم/حديث – بل هناك فرق في درجة الاقتراب من بعضها البعض على الرغم من تباعد الأزمنة والأمكنة.

- عد الدكتور أحمد المتوكل مبدع ومنظر منهجية الفكر اللغوي العربي القديم ومطورها.

انطلاقا من هذه الخلاصات المنمدجة، ألقى الدكتور بنعيسى أزاييط عرضه حول "ملامح من النظرية الوظيفية عند ابن جني القدرة التواصلية نموذجا" سعى من خلاله للوقوف عند محطات أربع أجملها فيما يلي:

-أولها: عده مقدمة منهجية كان عبارة عن احتراسات أبرز فيها بأنه لابد من التسليم بجملة من الأمور – يجب مراعاتها- عند محاولتنا عقد مقارنة بين طرح ابن جني والطرح الوظيفي المعاصر، وهي:

- أن مقاربة بن جني لا تتيح إمكان التعميم المفاهيمي إلا بما تسمح به المقاربة في بعدها المعرفي، وإلا طبع هذا العمل نوع من التعسف في طريقة التعاطي معه.

-الاحتراس الثاني قائم على أن فهم بنية التواصل اللغوي ينبغي أن تؤسس على معطيات بنيوية وحضارية منظورا إليها من خلال المحاقلة المعرفية.

- ضرورة النظر إلى اللغة أو الخطاب على أنه شبكة من العلاقات البنيوية والميتابنيوية (تركيب، صرف، صواتة...) وغير الملموس أصلا من حيث الدلالة والمعنى...وما يحكمه من معطيات سياقية وحضارية. ومن تم فالغاية التواصلية والنظر الوظيفي القصدي وارد عند بن جني، وبالتالي فمستويات الخطاب دائما ترد إلى مستوى واحد أو لطبقة واحدة كالرقم تضعه على المرقوم أو الميسم على الموسوم.

-الاحتراس الرابع يتجلى في الهدف، بحيث إن المأمول هو أن يفهم من هذا الاقتراح على أنه نوع من المقاربة في صلب المواضعة الوظيفية.

وعليه، فإن هذا العرض ينصب في عمومياته على ذلك الإدراك الشامل للغة من حيث كونها لغة تتميز فيها خصائص الحكمة وعلائق الاتقان، واعتبارها- في هذا الشأن- لغة اتقان لأن حدها هي" أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"، فالغاية من اتقانها هو التواصل السليم والتعبير عن أغراض متكلميها في حياتهم ومعاشهم وثقافتهم.

بهذه المعطيات الموضوعية والاحتراسات المنهجية يتحدد الإطار النظري للنظرية الوظيفية عند بن جني.

- ثانيها: يزعم فيه الباحث أن النظرية التواصلية العامة عند بن جني تقوم على المعالم الآتية:

1-العناصر الثابتة: ومنها قواعد المكون النحوي الشامل للغة الذي يحتوي على الأصناف التالية: (قواعد تركيبية، قواعد التوليف الصوتي وتصريف اللفظ، وقواعد المواضعة المعجمية أوالدلالية السائدة في كلام العرب اطرادا أو شذوذا...) وتمكن هذه القواعد من إيجاد أسس ثابتة تشكل معطيات قابلة للحوسبة المعاصرة وتترجم الملكة اللسانية التي يتوفر عليها المتكلم العربي في ثابت اللغة ومتغير الخطاب.

2-المبادئ المتغيرة: كونها متغيرة لأنها مرتبطة بالخطاب المقامي وطبقاته التبليغية والبلاغية، ومنها أولا مبدأ الإيجاز بحيث إن المتكلم العربي يراعي حيثيات الخطاب انسجاما مع أن" لكل مقام مقال"، غير أن بن جني يلاحظ أن العرب إلى الإيجاز أميل، وعن الإكثار والإطناب أبعد وهذا هو الطابع الجواني للخطاب. وهناك ثانيا مبدأ مشاهدة الأحوال وهو وارد عند بن جني بتحليله الأثر اللغوي للأحداث على خلفية أن الخطاب اللغوي هو حمال لعدة معاني استنادا لمقولة" رب إشارة أبلغ من لفظ"، أو بتعبير بن جني" أنا لا أحبد أن أكلم أحدا في الظلمة" ويبدو أن معظم  العلماء لم يوسعوا في هذا البعد الإشاري للمعاينة، ويندرج  ضمن هذا المبدأ، مبدأ "شهادة الحال" في قولنا للقادم من سفر" خير مقدم" كما أن الدلالة المصاحبة لها دور فعال ومباشر في استخلاص المعاني والحركات (تقطيب الحاجبين مثلا)، وأدرج مبدأ ثالثا سماه"مبدأ تعليق الأعلام على المعاني دون الأعيان" مشيرا إلى تنبه الفكر اللغوي لهذا الأمر على يد الدلاليين والتداوليين والمناطقة(Recanati مثلا)، وأردف كلامه  بالحديث عن مبدأ "أكثر اللغة مع  تأمله مجازا لا حقيقة"، أبان فيه أن بن جني حاول أن يؤسس نظرا تداوليا جديدا إزاء المستويات اللغوية( نحوا ودلالة وتداولا) في قوله:"إن أغلب اللغة مجازا" وذلك في الغاية التي تجمع بينها عندما  تغدو اللغة مستوى واحدا في الممارسة والإنجاز الفعليين.

- ثالثها: حاول من خلاله الباحث استخلاص بعض وجوه التقاطع بين الطرح الوظيفي المعاصر وطرح ابن جني فيما يخص البعد التواصلي عامة وإدماج  مكونات اللغة في قصودها الدلالية والتداولية خاصة بناء على مستويين اثنين: على مستوى النظر الوظيفي عند سيمون ديك، وكذا على مستوى المرامي والأبعاد والمكونات، وهنا أحال على كل مؤلفات الدكتور أحمد المتوكل التي تتمتع بهذا النوع من التحليل بتركيزها على وظيفية اللغة.

رابعها: أفرده بشكل خاص لتحديد كيفية تحديث آليات بن جني الوصفية الوظيفية في ضوء معطيات التناول الوظيفي المعاصر انطلاقا من الإرتكاز على الثوابت والمتغيرات الواردة عنده لخدمة اللغة العربية وخطابها، محاولا في الإتجاه ذاته توضيح هذه الوصفية (صرفية كانت أو تركيبية أو نحوية). ودمجها في المرتكزات الوظيفية (دلالية وتداولية ومقولاتية) بغرض استخلاص بعض ملامح النظرية التواصلية عند بن جني.

ومن أجل إبراز خصوصية الدرس اللغوي العربي القديم ألقى الدكتور عبد العزيز العماري عرضا اختار له عنوان "أفكار وظيفية في التراث اللغوي العربي" أشار فيه إلى أن هذا التراث وظف أفكارا وظيفية في وصف الظواهر اللغوية وتفسيرها معتمدا في تحقيق ذلك على أدوات لسانية ذات طبيعة وظيفية، وشدد في هذا الإتجاه على أن قراءة متعمقة للتراث والتأمل في دراسته، تكشف لنا أن النحاة والبلاغيين والأصوليين كانوا واعين بضرورة تحديد وظائف الجملة الأساسية من خلال حرصهم على تحديد مكوناتها (فعل/فاعل، مبتدأ/خبر)، موظفين لمصطلحات خرى، كالإسناد، والتعليق، متتبعين للمنهجية التي سلكها النحو العربي القديم الموجود في المنطق والأصول والبلاغة  وغيرها، وحتى  يكون الباحث موضوعيا في تناوله، عمد إلى  تبيان هذه القضايا انطلاقا من المسلمات التالية:

- وظيفة الفعل: كل النحاة يؤكدون أن الفعل أقوى العناصر في الجملة، وله وظيفة خاصة تختلف شيئا ما عن وظيفة، المكونات الأخرى، وهو مؤهل للقيام بوظيفة التعليق (وظيفة الانتقاء التركيبي المجرد مثلا)

- وظائف متعلقات الفعل: تتمثل في أن وظيفة الفاعل هي الفاعلية ووظيفة المفعول هي المفعولية، بحيث إنهم لم يستعملوا مصطلح "وظيفة" وإنما استعملوا مصطلح " المعنى"، وأن الوظائف تركيبية كانت أو دلالية لا تختلف عن المنظور التقليدي في تحليلهم لها. في حين نجد أن الدكتور أحمد المتوكل قدم هذا النحو بمنهج وظيفي، لكن الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري اعتمد في تحليله له على منهج توليدي صرف (الوظائف لا تختلف عن الأدوار).

وجدير ذكره أن المبتدأ يطرح إشكالا تركيبيا ودلاليا، بينما وظيفة الخبر تشبه الفعل، مذكرا أن بعض اللغويين العرب اهتموا بتحديد الوظيفة الأساسية للغة وهي"التعبير عن الأغراض والأحاسيس" إلى أن توصل أخيرا لأمر أن اللسانيات بشكل عام لم تبدأ من فراغ وإنما جاءت على أنقاض الفكر اللغوي العربي.

كما سارت مداخلة الدكتورعبد النبي الذكير في اتجاه مقاربة"وظيفية النحو العربي نحو العلامة نموذجا" في إطار حدود وظيفية قائمة ومشروعة للنحو العربي، ومن تم يفترض أن هناك توجهين اثنين يجب بحثهما: الأول نظري تصوري مسلكه التحقق من معنى الوظيفية في التراث النحوي، والثاني عملي مراسي القصد منه التثبت من هذه القضية بالشاهد والمثال. وفي ثنايا مداخلته أكد أن هذه الوظيفية في التراث العربي هي واضحة وجلية من عدة نواح أجملها في الغاية من النحو عند أئمة أعلام كابن جني وابن الطراوة وابن المستوفي وغيرهم حسب تعريفاتهم له، وكذا في تعدد هذا النحو وأنماط خطابه، باعتبار أن هذا النحو هو لدى الحذاق أنحاء: نحو للمبتدئ وآخر للشادي وثالث للمنتهي، موضحا أن المتأمل في هذا النحو يجد في معظم أبوابه وفصوله ومباحثه سيادة المعاني الوظيفية، لأن الغاية من النحو مقاصد مقصودة والمخاطب يشهد وظيفة معهودة، وقد أنهى الباحث حديثه بالتذكير أن علامات وظيفية النحو العربي كثيرة ومتعددة ناهزت  السبعين علامة أو تزيد، ومثل لذلك بالسين وسوف ولن ولعل وليت...

ثانيا: خصوصيات اللسانيات الحديثة: إضاءات وظيفية:

في إطار التعالق المعرفي بين النحو العربي القديم والأنحاء المعاصرة، عقدت جلسة مسائية ثانية برئاسة الدكتور يحي بعيطيش افتتحها الأستاذ عمر مهديوي بمداخلة تمحورت حول" الإحالة بين المنطق والفلسفة واللسانيات"، أكد فيها أن موضوع الإحالة أو المرجعية من المواضيع التي  شغلت بال المناطقة بوجه خاص (فريدج، راسل...)، وما قدمه العرب عامة يشكل نقطة تستحق العناية والإهتمام والتأمل، وانتقل إلى فحص  هذه المسألة انطلاقا من قضايا ثلاث: بحث أولها قضية الإحالة والمنطق ممثلا لذلك باسم العلم واختلاف المناطقة في تصنيفه هل هو من  النماذج الدلالية أو التداولية. ثم تساءل : ما وظيفة اسم العلم؟  وما دلالته؟  وهل يحيل على مرجع؟  بينما ركز في ثانيها على العلاقة بين الإحالة والفلسفة مستعرضا لخاصيات فلسفية ثلاث حددها راسل وهي: الخاصية الدلالية (ممثلة بالسور الوجودي) والخاصية الإسمية (الموجودات العينية) والخاصية الواقعية (وقصد بها الموضوعات الفيزيائية)، واقتصر في آخر قضية للتدليل على العلاقة التي تجمع بين الإحالة واللسانيات والإشكالات التي تثيرها في هذا النطاق مستخلصا بعض الإشراقات اللغوية في فكرنا اللغوي العربي القديم. أما البحث الجاد الذي قدمته الدكتورة نعيمة الزهري في موضوع "الوصف الأدبي في نحو الخطاب الوظيفي" فقد استشرفت فيه بلوغ هدفين اثنين:

1 ـ رصد الخصائص التداولية والخصائص التركيبية والصرفية والتطريزية لنص وصفي فني.

2 ـ وصف هاتين الفئتين من الخصائص في إطار نحو الخطاب الوظيفي وعلى ضوء مفهوم التغليب كما ورد عند الدكتور المتوكل (المتوكل 2003).

في ظل هذا التحديد، صرحت أن لا أحد يجادل أن نظرية النحو الوظيفي قد حققت من النصج النظري ما يكفي، فكان لزاما تثمين هذه الخطوة بتطبيق عملي وهو ما دعاه المتوكل (المتوكل 2006) ب "الكفاية الإجرائية"، لذلك يعد إقحام مجال النص في الدرس اللساني الحديث رائز من روائز المفاضلة بين عدد من الخطابات سواء منها الإقناعية أو الحوارية أو الحجاجية أو القانونية أو غيرها.. معرفة للنص الأدبي بكونه "كل فعل تلفظي مجسد لرؤية خاصة بالأديب تنتظم مكوناته وأنماطه ضمن نسق تعبيري معين"، في هذا الإطار عمدت إلى تنميط النصوص في النحو الوظيفي تنميطا بنيويا بقوالبه وأساليبه وبنياته. ولتأدية هذا الغرض قامت بانتقاء نصين  متكاملين، الأول أدبي تحت عنوان ( في عرض البحر)، والثاني علمي موسوم ب (البحار والمحيطات) إلا أن النص الأدبي تتخلله سمتان أساسيتان هما: حضور المتكلم فيه حضورا متميزا وصريحا علاوة على الصور البلاغية (الإستعارة والمجاز وغيرهما) الطاغية على النصوص الموغلة في الفنية، ويتجسد الهدف في الاقتصار على السمة الأولى، وإرجاع السمة الثانية بإضافة قالب إبداعي تكمن مهمته في رصد الملكة الإبداعية التي تسهم في إنتاج الخطاب الإبداعي، مع التذكير بالإطار النظري المعتمد وهو نحو الخطاب الوظيفي في صيغة  نحو قالبي طبقي كما هو عند الدكتور المتوكل (المتوكل 2003) بمستوياته وطبقاته. لكن هذه الهيكلة يقول عنها هنخفلد بأنها يخلفها محوران: محورسلمي ومحور علاقي يهم التعالقات الحاصلة بين طبقات المستوى الواحد، في هذا الصدد أردف المتوكل قائلا بأن توالي الطبقات أيل لقيود خطية وقيود سلمية تحكم تحديد مستوى معين لعناصر المستوى الذي يسلكه.

ومن الملاحظات التي سجلتها في مختتم إحاطتها، أن نحو الخطاب الوظيفي برهن على نجاعته في وصف النصوص العادية أو الفنية وأتاح من الإمكانات ما لا تتيحه الأنحاء التقليدية، مستوثقة من أمر أن اللسانيات –وخاصة الوظيفية منها ـ وما أفادت به من أغراض ومقاصد يمكن أن تفي به فروع أخرى كالشعرية والنقد الأدبي وتحليل الخطاب. وبمداخلة جمع فيها بين فكره الإبداعي وتخصصه المعرفي الأكاديمي قدم الدكتور عز الدين البوشيخي عرضا بعنوان "نموذج مستعمل اللغة الطبيعية ونحو الخطاب الوظيفي" استهله بأربع إضاءات منهجية متآسرة، أولاها عد النحو الوظيفي نموذجا نحويا مستقلا، وثانيتها أن هذا النحو هو بمثابة قالب نحوي من داخل نموذج مستعمل اللغة الطبيعية، وثالثها جسده في التعالق الحاصل بين نحو الخطاب الوظيفي ونموذج مستعمل اللغة الطبيعية، ورابعها خصه لإعادة الاعتبار لهذا النموذج بالذات.

وعبر تأطير منهجي عام لعرضه أوضح أن النحو الوظيفي منذ ظهوره على يد رائده سيمون ديك كان الهدف منه هو إقامة نموذج نحوي يرصد خصائص الخطاب الطبيعي عن طريق وصف كيفية استعمال هذا اللسان وتحديد الأهداف التواصلية التي يستعمل من أجلها، ولذلك عني سيمون ديك أيما عناية ببناء النموذج النحوي وتأسيسه على قاعدة تداولية، لكن مع تطور هذا النموذج (ديك 1989) ظهرت نزعة جديدة تمثلت في بيان أنه لا يمكن رصد وتفسير العمليات الذهنية ـ التي يتم بمقتضاها إنتاج اللغة ـ إلا برصد كل المكونات التي تتدخل في هذه العمليات، وفي هذا الإطار دعا سيمون ديك إلى إقامة ما سماه ب "نموذج التفاعل الكلامي" بين المتكلم والمخاطب يتم عبره الإنطلاق من المعلومات التداولية وتحديد مقاصدها وتأويلها، وفي هذا الاتجاه بين الدكتور عز الدين البوشيخي أن ثمة قسمين من المعرفة، معرفة مشتركة ومعرفة غير مشتركة وهي التي لخصها الدكتور المتوكل ضمن مكونات  التواصل اللغوي ووسائله وآلياته. فحديثنا عن النحو الوظيفي إذن هو حديث عن القالب النحوي داخل نسق التواصل العام وهو نموذج مستعمل اللغة الطبيعية.

في سياق هذه التحولات طرأت على هذا النموذج تعديلات هامة أبرزها:

ـ إدراج المتوكل "القالب الشعري" ضمن قوالب هذا النموذج بخلق علاقات بينه وبين باقي القوالب الأخرى

ـ التعديل الهام الذي اقترحه البوشيخي (البوشيخي 1998) بتطوير ما سماه المتوكل ب "القالب الشعري" إلى "قالب تخيلي"، مميزا بين أصناف هذه القوالب (قوالب إمداد وقوالب تخزين).

ـ مركزية القالب المعرفي في هذا النموذج باعتباره المخزن لكل المعلومات، وبالتالي لا يمكن عده هامشيا أو مساعدا.

على إثر هذه التعديلات، انصب النقاش حول بنية النحو الوظيفي وعن العناصر المقصاة منها، ليبقى السؤال المطروح هو: هل يتم وضع القالب التداولي داخل هذه البنية أو إخراجه منها ليصبح مكونا من مكونات اللغة الطبيعية؟

فحوى هذا السؤال بينه المتوكل وهو يتحدث عن كيفية عمل القوالب، بحيث اعتبر القالب التداولي مستقلا عن القالب النحوي، أما نحو الخطاب الوظيفي فأساسه هو الفصل 18 من كتاب ديك (ديك 1997ب)، مبرزا أن النحو الوظيفي هو نحو خطاب لا نحو جملة، وإنما اعتني مرحليا بالجملة، وعني بعد ذلك بالخطاب. وفي ثنايا تحليله أفاد أن الدكتور المتوكل قال بفرضية التماثل البنيوي بين بنية النص وبنية الجملة، وبين المفرد والمركب الإسمي إلى أن توصل للبنية الخطابية النموذج وكل أشكال الخطاب غير اللغوي وتحققاته المختلفة. ففي الأطوار الأولى للنحو الوظيفي أخرجت القوة الإنجازية من القالب النحوي واقترح معالجتها في القالب المنطقي، وفي مرحلة موالية أصبح القالب النحوي قالبا بنيويا صرفا وأصبح كل ما هو تداولي، موزعا بين القالب المنطقي والقالب التداولي. وقد أنهى عرضه بتسطير الخلاصات الآتية:

ـ لا توجد دلائل واضحة لدى كل من ماكنزي وهنخفلد يبرران بها اقتراح تقسيم نموذج القالب المعرفي لمكونين اثنين: المكون التصوري والمكون السياقي.

ـ إهمال القوالب الأخرى (القالب المنطقي، والاجتماعي، والتخيلي...) داخل نحو الخطاب الوظيفي.

ـ يقترح الدكتور البوشيخي إعادة الاعتبار لكل مكونات نموذج مستعمل اللغة الطبيعية، لأنها هي التي ترصد فعليا كل أنماط الخطاب اللغوي وغير اللغوي.

في صلب هذا التعدد والثراء، تواصلت أشغال هذا الملتقى بعقد جلسة ثالثة برئاسة الدكتور بنعيسى أزاييط، وكان أول المتدخلين فيها الدكتور أحمد المتوكل الذي أثر أن يقدم باقتضاب مداخلته باللغة الفرنسية، بحيث عرض لتجربته الخاصة في ميدان اللسانيات الوظيفية وتوقف بالتالي عند أبرز محطات المنحى الوظيفي في اللسانيات العربية، مستعرضا  لأصول تشكل ونشأة المنحى الوظيفي في المغرب والعالم العربي بشكل عام، وعن الموقع الذي يحتله هذا المنحى في خريطة البحث اللساني، دون أن ينسى  أفضال هذا النموذج على النماذج اللسانية الأخرى باقتحامه مجالات ميدانية متشعبة تتمثل  في استثمار هذا التوجه في ديداكتيكا اللغات والاضطرابات اللغوية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والترجمة...

ومن الموضوعات التي أثرت أشغال هذا اللقاء ولم يلتفت إليها الدرس اللساني، انتقى الدكتور يحي بعيطيش من جامعة قسنطينة بالجزائر بحثا مستخلصا من أطروحته بعنوان "نحو أسلوبية وظيفية للنص الأدبي ـ النص الشعري نموذجا"، رصد من خلاله الخطوط العريضة لمشروع اقترح تسميته بأسلوبية وظيفية، وهي أسلوبية مركبة من تأليفة تمزج بين مبادئ نظرية النحو الوظيفي ممثلة في مبدأ تبعية البنية للوظيفة ومفهوم الملكة التبليغية (Compétence communicative) ومفهوم الملكة البيانية (الشعرية بمصطلح المتوكل) والوظيفة الأسلوبية وآليات تشغيل القوالب، وبين نموذج جاكبسون التبليغي بوظائفه المعروفة وبين النموذج العاملي لغريماس حول النص بصفة عامة والنص السردي الروائي بصفة خاصة. وبناء عليه قدم الباحث ومضات حول الجانب النظري لبحثه عرض فيه لأهم المفاهيم النظرية الإجرائية، محاولا توظيفها في الجانب التطبيقي الذي عمد فيه إلى تحليل نص شعري ممثل في بيت غزلي لأبي الطيب المتنبي اتخذه كعينة استخلص منها مقاربة وظيفية لتحليل أي نص شعري، سواء على مستوى البنية الطبقية القالبية أوالمستوى السيميائي التأويلي. ويقفل الباحث مداخلته بذكر أهم الخطوات المقترحة في المنهجية الوظيفية لتحليل النص الأدبي بصفة عامة والنص الشعري بصفة خاصة.

وبمصاحبة الشاشة المشغلة بالحاسوب، قدم الدكتور حفيظ اسماعيلي عرضا لافتا للانتباه، عن الحجاج المغالط ـ مقاربة وظيفية" وهو بالمناسبة عرض مشترك مع الأستاذ محمد أسيداه، رام من خلاله الباحثان الوقوف على وجوه التحاور والتجاور والتكامل الممكنة بين اللسانيات والحجاج باعتبار أن هذا الأخير يرسخ لثقافة الحوار والتواصل التي تقوم على الانتصار لرأي ما والدفاع عنه بالحجة الفعلية وبوسائل الإقناع والإفحام والغلبة  بالحجة والدليل، مع التركيز بشكل خاص على الحجاج المغالط الذي يقوم على الالتباس وتخليط المعاني وعلى السبل التمويهية والتغليطية والتضليلية التي تفضي إلى خرق "قواعد الحوار والتواصل" ومقتضيات "المجال التداولي"، كما كشف العرض عن الكيفية التي يمكن أن يسهم بها النحو الوظيفي في فضح المغالطة بإعادة صياغة الحجة صياغة سليمة عن طريق رفع التباسها، ولتفادي هذا الالتباس وظف الباحثان اقتراحات الدكتور  أحمد المتوكل في هذا الإطار والتي ترقىـ حسب تعبيرهما ـ إلى طبقة قيود تضمن سلامة تكوين  العبارات في المناقشات والمحاورات مما يجعلها تستجيب لضرورة تطوير أنساق منطقية غير صورية تروم الاستجابة لمقومات الخطاب الطبيعي ومقتضياته وضبط شروط تقويم الحجج.

وبهذه المعطيات المهمة فقد استشرفا آفاق بحثهما بأسئلة إشكالية معلقة من قبيل: كيف نوظف اللغة في الحجاج؟ وكيف يسخر النحو الوظيفي في دراسة التعالق بين الحجاج كاستراتيجية، وبين اللغة ليس كحمولة فقط بل كبنية؟ وإلى أي حد تسعف آليات النحو الوظيفي في فك الحجاج المغالط؟ ما هو نموذج مستعمل اللغة الطبيعية المحاجج؟ ما هي القوالب التي تشغل في الخطاب الحجاجي؟ وكيف تتعالق وهي تشتغل؟ وكيف يعبر الصرف والتركيب عن المقتضيات التي تأتيه من القالب المنطقي؟

إلى جانب العروض التي قدمت باللغة العربية، ثمة عروض أخرى قدمت بالفرنسية في جلسة أخرى يومه السبت برئاسة الدكتور أحمد المتوكل، ومنها العرض المطول لأحد أعمدة النظرية الوظيفية البروفسور لاشلن ماكينزي (Prof. Dr. Lachlan Mackenzie) الذي بحث فيه تنظيرا وتطبيقا إشكال "الوظائف التداولية بمعالجة الدكتور المتوكل، مراجعة وتقويم في إطار نحو الخطاب الوظيفي" راصدا لمجمل مستجدات نظرية نحو الخطاب الوظيفي في عدد من مستوياتها، مع استقرائه لبعض الظواهر اللغوية وخاصة الوظائف التداولية في اللغة العربية. أما مداخلة الدكتورة أمامة الكتاني فقد تناولت فيها بالدراسة والتحليل موضوعا متميزا اختارت له عنوان: « Vers un modèle de l’analyse communicationnelle intégré » ركزت فيه بالذات على بناء نموذج لساني لتحليل العملية التواصلية في أبعادها المختلفة، مسخرة في هذا الإتجاه نموذج مستعمل اللغة الطبيعية ومكوناته، دون إغفالها المفاهيم النظرية والإجرائية التي يتأسس عليها النموذج الوظيفي. وتلافيا للتجريد والصورنة التي يمكن أن تسقط فيه فضلت الباحثة التوقف عند جدوى هذا النموذج بتطبيقه على تحليل للخطاب السياسي الذي رافق الانتخابات التشريعية في المغرب لسنة 2002.

وفي دراسة جادة له، تقدم الدكتور محمد جدير بعرض عنونه « Focus et dimension textuelle, le cas du roman policier »  ، انصب اهتمامه فيها بالخصوص على تحليل مقاطع من رواية بوليسية "ضحايا الفجر" لميلودي حمدوشي واتخاذها متنا لعمله. ولإضاءة هذا النص الروائي المعالج، عمد الأستاذ الباحث إلى توظيف بعض آليات نظرية النحو الوظيفي وما يمكن أن تمده به ـ في هذا الصدد ـ من إواليات تركيبية ودلالية وتداولية وخطابية. وحتى يختبر إجرائية المفاهيم الوظيفية الموظفة في هذا التحليل، قام بمعالجة أسماء الاستفهام (من، متى، كيف) والأداتين (هل والهمزة) في أبعادها الخطابية، ثم علاقة هذه الأسماء والأدوات بحيز التبئير (المكون ـ الحمل) مع العمل على تفسير أنماط الوظيفة التداولية البؤرة (بؤرة الجديد، بؤرة المقابلة) وتحققاتها المختلفة.

ورغبة من منسق أعمال هذا الملتقى الدكتور عز الدين البوشيخي، واللجنة المنظمة المرافقة له في تنويع المشاركة وإضفاء طابع الحميمية على هذا اللقاء، فقد توجت نشاطات هذه الندوة بمائدة مستديرة عقدت بفندق باب منصور بحمرية، استضافت فيها رواد هذه النظرية وبعض الباحثين المتخصصين والمهتمين لعرض المستجد من نظرية نحو الخطاب الوظيفي لصاحبيه هنخفلد وماكينزي (Hengeveld, Kees or J.  Lachlan Mackenzie (2006)) ومناقشة تطبيقاته وآفاق تطويره. وقد تعاقب فيها على الكلمة الأستاذان أحمد المتوكل وماكينزي، بحيث تحدث الأول عن المستوى العلاقي وصلته بالمستوى الصرف التركيبي في نحو الخطاب الوظيفي، مبرزا أن المكون الصرفي في هذا النحو يتخذ وضعا خاصا غير الوضع الذي كان يحتله في النماذج الوظيفية السابقة، إذ يربط هذا المكون ربطا مباشرا بالمستوى العلاقي دون العبور من المستوى التمثيلي. على اعتبار أن الصرف في اللغة العربية مؤهل للقيام بدوري تحقيق السمات التمثيلية (الجهة، الزمن، الوجه، الوظائف) وتحقيق السمات العلاقية (الوظائف التداولية والقوى الإنجازية) وبخاصة الطبيعة التواصلية لوحدات الخطاب والعلاقات القائمة بينها، مستهدفا في السياق ذاته الوقوف على الدور العلاقي الذي يقوم به المكون الصرفي في اللغة العربية مع التركيز على الوجه Modality والإعراب والصلة. أما كلمة البروفسور ماكينزي فقد تحدث فيها عن أهداف ومرامي نحو الخطاب الوظيفي مدققا في كل مكوناته وطريقة اشتغاله. وقد تخلل هذه الجلسة نقاش علمي معمق وصريح بين الدكاترة والباحثين المشاركين والذي استمر لساعات طويلة، انتهى بتسطير خلاصات مهمة ومفيدة لا شك أنها ستدفع بقاطرة النظرية الوظيفية إلى الأمام.

في ظل هذا التنوع الذي اكتنف أشغال هذا الملتقى، تكون ندوة "المنحى الوظيفي في اللسانيات العربية وآفاقه" قد اغتنت لا من حيث التنظيم الجيد والحضور البارز لبعض الرواد أو المطارحات اللسانية العميقة التي جسدتها. لذلك فإن نشر هذه العروض سيفتح عيون الباحثين والمهتمين على حقول وزوايا النظرية الوظيفية ومستجداتها، وهذا ـ دون شك كان الهدف الأساسي والجوهري الذي نظمت من أجله هذه الندوة.

تصنيف المقالات: