قضية تيسير النحو العربي بين الحقيقة والوهم . الدكتور تجاني حبشي

  • آراء وانطباعات
  • عدد القراءات: 358

 

الدكتور تجاني حبشي

جامعة الجلفة– الجزائر-

Habchi tedjani :Der

University of Djelfa , Algeria

 

    إن الدعوة إلى تيسير النحو وتسهيل تعليمه دعوة قديمة جديدة. فهي من جهة قديمة دعا إليها النحاة الأوائل بعيد مرحلة التأسيس، فالمتتبع لنشأة النحو  ومساره  يجد أن بذور هذه الدعوة ظاهـرة في مؤلفات النحاة القـدامى أمثال: أبي عمر صالح بن إسحاق الجـرمي(ت225ه) في كتابه" مختصر نحو المتعلمين" وأبي عباس محمد بن يزيد المبرد (ت285ه) في كتابه" المدخل في النحو"، ومحمد بن كيسان (ت299هـ) في كتابه"مختصر في النحو"، والزجاجي(ت337هـ) من خلال مؤلفه"الجمل"وأبي جعفر النحاس (ت338هـ) من خلال كتابه" التفاحة في النحو"، وأبي بكر الزبيدي(ت379هـ) في كتابه " الواضح في علم العربية"، وابن جني(ت392هـ) من خلال كتابه" اللمع في العربية". وحقيق بنا أن نشير هنا إلى أن محاولات هــؤلاء هي محاولات صادقة، تـنم عن حبهم للغة العربية وغيرتهم عليها، وليس أدل على ذلك  من أنهم  كانوا يسعون لتقريب النحو من المتعلمين، علماً منهم أن النحو فيه بعض التعقيد، ولذلك كانوا ينتقون من مواضع النحو المبثوثة  في الكتب المفصلة ما يناسب  المستويات التعليمية، ويتجنبون التعمق  والإطالة ويستعينون على توضيح  القواعد والأحكام بالشواهد البسيطة الواضحة.

   غير أن الثورة الحقيقية على نهج النحاة القدامى هي تلك التي تبنتها طائفة من النحاة المتأخرين والتي مست بعض الأسس التي بنى عليها الأقدمون قواعدهم و رتبوها مطالبة بإلغاء بعضها، أو حذف بعضها الآخر، الأمر الذي جعل ورثة هذا العلم ينكر تلك الثورة، ويقابلها بعنف ويصنفها عقوقا لجهود الأوائل ولعل ابن مضاء القرطبي (592هـ) أكثر أولئك الثائرين في وجه النحاة، منكرا بعض قياساتهم لاسيما العقلية منها وقد أعتبر كتابه" الرد على النحاة" أخطر محاولة نقدية للنحو العربي، بحجة إصلاحه وتيسيره كيف لا؛ وقد انطلق صاحبها من مذهبه الظاهري، فانتقـد بعض نظريات النحو كنظرية العامل و الأقيسة النحوية، وفكرة الحذف والتنازع في العمل والتعليل وغيرها متهما إيـاها بالقصور. يقول عبده الراحجي  موضحا الغاية من وراء تأليف هذا الكتاب: »وقد كتب كتابه يهدم فيه الأصول التي قام عليها النحو العربي في المشرق، وليس عجيبا لدى المتتبعين للفكر الإسلامي أن يتصدى ابن مضاء لنقد النحو العربي، فالحق أنه يكن يقصد هدم النحو لذاته وإنما كان يهدف إلى هدمه باعتباره وسيلة لفهم الفقه المشرقي الذي اشترك هو في الثورة عليه«.1

    ومن جهة ثانية فهي دعوة جديدة؛ حيث اتجه هذا الاتجاه بعض اللسانيين العرب المحدثين مصورين للناس أنهم يقدمون شيئا جديدا على النحو العربي ومنهم على سبيل الذكر شوقي ضيف(1910/2005) الذي يعد من أوائل  اللسانيين  في القـرن العشرين  الذين  فجروا  قضية تيسير النحو ودعوا إلى ضرورة إعادة النظر في مسلماته ومسائله. وكذلك فعل إبراهيم مصطفى الذي أصدر كتابه"إحياء النحو"على أساس هدم نظرية العامل. 2وقد تركزت أهدافه في عدد من الأمور منها: أنه  كشف  فيها  ما قصر فيه النحويون وما زعموا، وما أثبتوا، وأبان عن رأيه في نقض كثير من ذلك وكان قاسياً على النحاة المتقدمين جميعا هاجمهم في غير مواربة ، وطعنهم في غير ليـن ولا رحمة ، لكن هذا الكتاب في نظر عبده الراحجي لم يؤد إلى النتائج التي كان يهدف إليها أصحاب التجديد.3 ثم توالت المؤلفات في هذا الصدد ذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر كتاب " اللغة العربية معناها ومبناها " لتمام حسان وكتابي" في النحو العربي، نقد وتوجيه" و"في النحو العربي، قواعد وتطبيق" لمهدي المخزومي وكتاب "مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب " لأمين  خولي... وغيرهم ، كما عمدت بعض الهيئات العلمية العربية إلى دعم أفكار هـؤلاء ، بعقـد العديد من المؤتمرات والندوات  واللقاءات  في أنحاء  مختلفة من العالم العربي، نذكر منها ندوة تيسير تعليم النحو، نظمها اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية سنة 1976م.

     وتجدر الإشارة  هنا؛ إلى أن  أقل  ما يمكن أن يقال عن هذه المحاولات أنها محاولات قاصرة ، تـنم عن سوء الفهـم وانعدام التـقـدير، فقد زعموا أن في النحو العربي قصورا يوجب الإصلاح، ويدعو إلى إعادة النظر في بعض نظرياته . يقول عبده الراجحي مبينا الخلط و التخليط الذي وقعوا فيه  إذ جمعوا  في  نظره  بين النحو وتعليم النحو:»  من أجل ذلك جرت محاولات غير قليلة لإصلاح النحو أو تيسيره ، لكنها جمعيها أخطأت البداية فلم تصل إلى الغاية ، ذلك أنها ظنت أن  تيسير النحو يسر تعليمه  وهذا غير صحيح ، فقد بينا أن ثمة فـرقا جوهــريا بين النحو وتعليم النحو، الأول علم النحو وهو علم يقـدم  وصفا لأبنية اللغة، وهو حين يفعل ذلك  إنما يلجأ  إلى عـزل  الأبنية من سياق الاستعمال، ويضعها في إطار التعميم والتجريد أما تعليم النحو فشيء آخر نشأ عنه علم أشرنا  إليه باسم النحو التعليمي (pedagogical grammar)، وهـو يأخذ من الوصف الذي توصل إليه علم النحو، لكنه لا يأخذه كما هو إنما يطوعه لأغراض التعليم، ويخضعه لمعايير أخرى تستعين بعلم اللغة النفسي في السلوك اللغوي عند الفرد وبعلم اللغة الاجتماعي في الاتصال اللغوي  وبعلوم التربية في نظريات التعلم  وإجراءات  التعليم، وكل ذلك كان غائبا عن محاولات الإصلاح والتيسير، ومن ثم  لم  تـؤد هذه المحاولات إلى تغيير في المستوى العام  لتعليم العربية  اللهم إلا إثارة بعض البلبلة4 وعلى هذا النهج سار عـز الدين مجـدوب في مؤلفه" المنوال النحوي العربي قراءة لسانية جديدة"، حيث  أكد فشل مختلف المحاولات  الداعية  إلى تيسير النحو، بحجة أن أصحابها  انطلقوا  من منطلقات قاصرة تخلو من العمق ، فهو يرى أنه وبعـد تحليل كثير من المحاولات  التي  طارت شهـرتها  في الوطن العربي تبين لنا فشلها لأن أصحابها  انطلقوا في قـراءاتهم  النـقـدية  للتراث  من منطلقات قاصرة ، تـنم عن غياب تصور واضح للعلم، وما تقتضيه التطبيقات التربوية مـن مبادئ أساسية في صناعة  التعليم ، إذ تحولت  خاصية الوضوح  والبساطة  والسهولة إلى مقاييس يعتمد عليها في تقييم التراث  النحوي، وأصبح في نظر بعضهم كل أصل من أصول النحو أو مسألة من مسائله، أو باب من أبوابه لا يفيد مباشرة  في التعليم  تـرفا لا فـائدة منه ولغـوا ينبغي تجنبه، واقتنع الجميع أن نظام العوامل هو المسؤول عن ذلك وافترضوا أن ما عاب به اللسانيون الغربيون تراثهم اللغوي (الإغـريقي والروماني) ينسحب انسحابا كليا على النحو العربي الأصيل، وكانت حاجة اللغة العربية في زعمهم إلى منهج وصفي تماثل حاجة الأنحاء الأوربية القديمة. 5

   وختاما لهذه الورقة البحثية يمكن القول أن النحو العربي ليس علما صرفا قائما على قواعد جامدة، أو قوالب ساكنة لا تقبل التغيير، ولا نحوا تعليميا محضا، فهو يتسع لهما معا كونهما متعاضدين متكاملين لاسيما إذا عـلمنا أنه لا تعارض  في  حضور الغاية العلمية إلى جانب الغاية التعليمية، فالنحاة احتاجوا إلى وسيلة تحفظ لغتهم من اللحن، فتوصلوا إلى علم قائم بذاته له أصوله ومناهجه، فهم وإن كانوا يقصدون تـلقين الفصاحة، ووضع حد للحن فإنهم وجدوا أنفسهم يكشفون أسرار اللغة العربية، ويفسرون حقائقها بطريقة علمية ، كما ينبغي إدراك أن النحو جهاز كامل ومتكامل ، وأن أي  حـذف اعتباطي غير مدروس لأية نظرية  من نظرياته، أو باب من أبوابه سيؤدي لا محالة إلى إفساده والإخلال به، ذلك أن أزمـة النحو لا تكمن في حقيقة الأمر في النحو في حد ذاته كعلم يسعى إلى وصف أبنية اللغة واستنباط القواعد معزولة عن سياق الاستعمال وإنما تكمن في:

1-عدم الإلمام بجوانب إشكالية اللغة العربية؛ حيث يقتصر تناولها عند الكثير من الدارسين على الجوانب التعليمية والمصطلحية دون الخوض في دراسة علاقتها بالدين والسياسة والوطنية والقومية، ذلك أنها تمثل مقـوما من أهـم مقـومات كيان الأمة ، فهي الحاملة للثـقافـة والمكون لبنية التفكير.

2-سوء التشخيص لطبيعة الداء اللغوي، إذ يوجه بعض الباحثين سهامهم إلى اللغة العربية ويتهمونها بتهم عدة منها أنها تحمل بداخلها كوامن التخلف الفكري والعجز عن مواكبة مستجدات العصر.

3-الانبهار بثقافة الغـرب ولغاته، وتدهور الاهتمام باللغة العربية واعتزاز بها، تحت تأثر بعض المثقفين بتلك بالصيحات الداعية تارة إلى تفضيل اللغات الأجنبية، وتارة أخرى بتصديق إدعاء صعوبة النحو العربي، بالرغم من الحقيقة العلمية التي أجمع عليها الباحثون هي أن التعليم بغير اللغة الأم يغلق مفاتيح الفكر، ويعوق عملية الإبداع والابتكار لدى المتعلمين .

4-غياب الإرادة  الحقيقة  للإصلاح  اللغوي ، فالمناهج  المدرسية  في مختلف  البلاد  العربية  تتجاهل الآليات والطرق الحديثة في التخطيط والانتقاء والعرض والترسيخ ، التي يمكن أن تستغل  لأغراض تعليمية من شأنها أن تفـيد متعلمي اللغة العربية، ولا تسند صناعتها وإعداد محتوياتها وصناعة الطرائق التعليمية إلى ذوي الاختصاص، ممن تسلحوا بالمعارف الحديثة في مجال العلوم اللسانية وتعليمية اللغات والأدبية .

- الإحالات والمراجع :

1-عبده الراحجي، دروس في المذاهب النحوية ، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية بيروت لبنان،1988م، الصفحة171

2-المرجع نفسه ، الصفحة172

3-المرجع نفسه، الصفحة نفسها

4-عبده الراحجي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية بيروت لبنان، 2004م، الصفحة103

5-عز الدين مجدوب، المنوال النحوي العربي، قراءة لسانية جديدة، الطبعة الأولى، دار محمد علي الحامي تونس،الصفحة48 بتصرف


ملفات مرفقة


صور مرفقة



يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب جديد لإضافة تعليقات